العيني
15
عمدة القاري
الأحنس بن شريق والأزهر بن عبد عوف إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم كتاباً وبعثا به مع مولى لهما ورجل من بني عامر استأجراه ببكرين . قوله : ( فاستله الآخر ) أي : صاحب السيف ، أخرجه من غمده . قوله : ( فأمكنه منه ) ، هذه رواية الكشميهني ، وفي رواية غيره : فأمكنه به ، أي : بيده . قوله : ( حتى برد ) ، بفتح الباء الموحدة وفتح الراء أي : مات ، وهو كناية لأن البرودة لازم الموت ، وفي رواية ابن إسحاق : فعلاه حتى قتله . قوله : ( وفر الآخر ) ، وفي رواية ابن إسحاق : وخرج المولى يشتد هرباً . قوله : ( ذعراً ) ، بضم الذال المعجمة وسكون العين المهملة أي : فزعاً وخوفاً . قوله : ( قُتِلَ والله صاحبي ) على صيغة المجهول ، وفي رواية ابن إسحاق : قتل صاحبكم صاحبي . قوله : ( وإني لمقتول ) ، يعني : إن لم تردوه عني . ووقع في رواية أبي الأسود عن عروة : فرده رسول الله ، صلى الله عليه وسلم إليهما ، فأوثقاه حتى إذا كانا ببعض الطريق ناما ، فتناول السيف بفيه ، فأمَّره على الإسار فقطعه وضرب أحدهما بالسيف وطلب الآخر فهرب . وفي رواية الأوزاعي عن الزهري عند ابن عائذ في ( المغازي ) : وجمز الآخر واتبَّعه أبو بصير حتى دفع إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم في أصحابه وهو عاض على أسفل ثوبه وقد بدا طرف ذكره ، والحصى يطن من تحت قدميه من شدة عدوه ، وأبو بصير يتبعه . قوله : ( قد والله أوفى الله ذمتك ) أي : ليس عليك عتاب منهم فيما صنعت أنا ، وكان القياس أن يقال : والله قد أوفى الله ، ولكن القسم محذوف ، والمذكور مؤكد له . قوله : ( ويل أمه ) ، بضم اللام وقطع الهمزة وكسر الميم المشددة ، وهي كلمة : أصلها دعاء عليه ، واستعمل هنا للتعجب من إقدامه في الحرب ، والإيقاد لنارها وسرعة النهوض لها ) يروى : ( ويلمه ) ، بحذف الهمزة تخفيفاً ، وهو منصوب على أنه مفعول مطلق ، أو هو مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو ويل لأمه . وقال الجوهري : إذا أضفته فليس فيه إلاَّ النصب ، والويل يطلق على العذاب والحرب والزجر . وقال الفراء : وأصل قولهم : ويل فلان : وي لفلان ، أي : حزن له ، فكثر الاستعمال فألحقوا بها اللام فصارت كأنها منها ، وأعربوها . وقال الخليل : إن : وي ، كلمة تعجب ، وهي من أسماء الأفعال ، واللام بعدها مكسورة ، ويجوز ضمها اتباعاً للهمزة ، وحذفت الهمزة تخفيفاً . قوله : ( مسعر حرب ، بكسر الميم على لفظ الآلة ، من الإسعار ، وانتصابه على التمييز ، وأصله : من مسعر حرب ، ووقع في رواية ابن إسحاق : ( محش حرب ) ، بحاء مهملة وشين معجمة وهو بمعنى : مسعر ، وهو العود الذي تحرك به النار . قوله : ( لو كان له أحد ) ، جواب : لو ، محذوف أي : لو فرض له أحد ينصره ويعاضده . قوله : ( سيف البحر ) ، بكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بعدها فاء أي : ساحله وعين ابن إسحاق المكان فقال : حتى نزل العيص ، بكسر العين المهملة وسكون الياء آخر الحروف بعدها صاد مهملة ، وكان طريق أهل مكة إذا قصدوا الشام . قوله : ( وينفلت منهم أبو جندل ) ، أي : من أبيه وأهله ، وهو من الإنفلات ، بالفاء والتاء المثناة من فوق : وهو التخلص . فإن قلت : ما النكتة في تعبيره المستقبل ؟ قلت : إرادة مشاهدة الحال كما في قوله تعالى : * ( الله الذي أرسل الرياح فتثير سحاباً ) * ( فاطر : 9 ) . وفي رواية أبي الأسود عن عروة : ( وانفلت أبو جندل في سبعين راكباً مسلمين ، فلحقوا بأبي بصير ، فنزلوا قريباً من ذي المروة على طريق عير قريش ، فقطعوا مارَّتهم ) . قوله : ( حتى اجتمعت منهم عصابة ) أي : جماعة ولا واحد لها من لفظها ، وهي تطلق على أربعين فما دونها ، وفي رواية ابن إسحاق : أنهم بلغوا نحواً من سبعين نفساً ، وجزم عروة في ( المغازي ) : بأنهم بلغوا سبعين ، وزعم السهيلي : أنهم بلغوا ثلاثمائة رجل ، وزاد عروة : فلحقوا بأبي بصير وكرهوا أن يقدموا المدينة في مدة الهدنة خشية أن يعادوا إلى المشركين ، وسمى الواقدي منهم : الوليد بن الوليد بن المغيرة وهذا كله يدل على أن العصابة تطلق على أكثر من أربعين . قوله : ( لا يسمعون بعير ) ، أي : بخبر عِير ، بكسر العين المهملة : وهي القافلة . قوله : ( فأرسلت قريش ) وفي رواية أبي الأسود عن عروة : فأرسلوا أبا سفيان بن حرب إلى رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، يسألونه ويتضرعون إليه أن يبعث إلى أبي جندل ومن معه ، قالوا : ومن خرج منا إليك فهو لك . قوله : ( يناشده ) أي : يناشد رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ( بالله والرحم ) أي : يسألونه بالله وبحق القرابة . قوله : ( لما أرسل ) كلمة : لما ، بتشديد الميم هنا بمعنى إلاَّ ، أي : إلاَّ أرسل ، كقوله تعالى : * ( إن كل نفس لمَّا عليها حافظ ) * ( الطارق : 4 ) . أي : إلاَّ عليها حافظ ، والمعنى هنا : لم تسأل قريش من رسول الله ، صلى الله عليه وسلم إلاَّ إرساله إلى أبي بصير وأصحابه بالامتناع عن إيذاء قريش . قوله : ( فمن